عبد الله بن أحمد النسفي

430

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 84 إلى 86 ] وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) 84 - وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام اللّه عليهم بصحبة الصالحين ، وقيل لما رجعوا إلى قومهم لاموهم ، فأجابوهم بذلك ، وما لنا مبتدأ وخبر ، ولا نؤمن حال أي غير مؤمنين ، كقولك ما لك قائما وَما جاءَنا وبما جاءنا مِنَ الْحَقِّ يعني محمدا عليه السّلام والقرآن وَنَطْمَعُ حال من ضمير الفاعل في نؤمن ، والتقدير ونحن نطمع أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا الجنة مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ الأنبياء والمؤمنين . 85 - فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا أي بقولهم ربنا آمنا ، وتصديقهم لذلك جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ وفيه دليل على أنّ الإقرار داخل في الإيمان كما هو مذهب الفقهاء ، وتعلقت الكرّامية في أنّ الإيمان مجرد القول بقوله بما قالوا ، لكن الثناء بفيض الدمع في السباق وبالإحسان في السياق يدفع ذلك ، وأنى يكون مجرد القول إيمانا وقد قال اللّه تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ « 1 » نفى الإيمان عنهم مع قولهم آمنا باللّه لعدم التصديق بالقلب ، وقال أهل المعرفة : الموجود منهم ثلاثة أشياء : البكاء على الجفاء ، والدعاء على العطاء ، والرضا بالقضاء ، فمن ادعى المعرفة ولم يكن فيه هذه الثلاثة فليس بصادق في دعواه . 86 - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ هذا أثر الردّ في حقّ الأعداء ، والأول أثر القبول للأولياء . ونزل في جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم حلفوا أن يترهّبوا ، ويلبسوا المسوح ، ويقوموا الليل ، ويصوموا النهار ، ويسيحوا في الأرض ، ويجبّوا مذاكيرهم ، ولا يأكلوا اللحم والودك « 2 » ، ولا يقربوا النساء والطيب .

--> ( 1 ) البقرة ، 2 / 8 . ( 2 ) الودك : دسم اللحم ودجاجة .